
من روائع الحكايات والأساطير الموريتانية(14)
حكاية عنز البزيه
"قال لكم ما قال لكم، والبال لنا والبال لكم، والبال لأولاد المسلمين":
إنه لما كانت الحيوانات والأشجار والجمادات تتكلم في الزمن الأول، وجدت "عنز البزية" وولدت بنتين وثلاثة أولاد، وسمتهم، و هم: "احديّكْه" و "امديكّه، و"عظم الدار" و "كدار"، و"لكراد".
كانت تترك أبناءها وبناتها في خناسها بين "التاغُرارت" و "الكّراريه"، وتذهب للرعى، ولم يكن أحد يتجرأ على لمس شعرة واحدة من أولادها. وأصغرهم "الجدي" و"الجديه".
فلما عادت في أحد الأيام لترضعهم لم تجدهم، فانطلقت تتقفاهم برائحتهم وهي تطوي المسافات.
****
أول ما وجدت عنز البزية غار الذئب فهدمته بقرونها وكمنت في شجرة قريبة منه مترصدة عودته.
أقبل الذئب من رحلة صيده المضنية، فلما وجد وجاره محطما قال باكيا:
- من كسر غاري، حفرته بأظفاري، رشرش الرش على كتيفاتي، وسفى السافي في عويناتي؟!
فخرجت له عنز البزية من مكمنها وهي غاضبة، تهز تيجانها، وأجابته بحدة:
- تلك أنا عنز البزية، قروني مائة على مائة، ومحالبي أسبط من ذهبيه؛ أريد جديا وجديه، تركتهما بين التاغرارت والكرارية، والذي أكل احديكه، وامديكه، و عظم الدار، وكدار، ولكراد يتقدم إلي.
فرد عليها وهو يمسح دموعه:
- بما ليس فيه بأس، مر علي.هنا بابه يخلل أضراسه.
****
انطلقت عنز البزية تسابق الريح فتسبقها حتى وقفت على غار الضبع فأعملت فيه قرونها المائة على المائة، حتى تركته ركاما، وكمنت له في شجرة قريبة حتى إذا عاد الضبع ورأى غاره مهدما قال باكيا:
- من حطم غاري، حفرته بأظفاري، رشرش الرش على كتيفاتي، وسفى السافي في عويناتي؟!
فبرزت له عنز البزية محتدة:
- تلك أنا، عنز البزية، قروني مائة على مائة، ومحالبي أسبط من ذهبية، أريد جديا وجديه، تركتهما بين التغرارت والكراريه؛ ومن أكل احديكه، وامديكه، و عظم الدار، و كدار، ولكراد فليتقدم إلي.
قال لها الضبع وهو يكفكف دموعه:
- بما ليس فيه بأس، مر علينا بابه هنا وهو يخلل أضراسه.
****
انطلقت عنز البزيه وهي تسابق البروق فتسبقها حتى وقفت على عرين الأسد (بابه) فأدارت فيه قرونها المائة على المائة حتى تركته كأنه لم يكن، وكمنت خلف شجرة تترصد للأسد.
فلما عاد ووجد عرينه محطما زأر قائلا:
- من حطم غاري، حفرته بأظفاري، رشرش الرش على كتفي، وسفى السافي في عيني؟!
فتصدت له عنز البزية منشدة بتحد:
- تلك أنا عنز البزية،
أريد جديا وجديه، تركتهما بين التاغرارت والكراريه؛ ومن أكل احديكه، وامديكه، وعظم الدار، وكدار، ولكراد فليتقدم إلي.
أجابها الأسد:
- أنا من ابتلعهم جميعا دفعة واحدة، ومع أنني لا أرغب في الصراع مع الإناث، لكن مادمت ترغبين في ذلك، وترين أجلك عن كثب، فانتظري حتى أنادي على الحيوانات لتحضر وتشهد على بطشي بك، حتى لا يتحداني حيوان من حيوانات الغابة بعدها، وموعدنا غدا في مثل هذا الوقت، في ميدان المملكة.
****
ذهبت عنز البزيه إلى صانع ماهر كانت تعرفه من قبل، وقالت له:
- سأبرم معك عقدا، أن تسن أطراف قروني بمبردك حتى تصبح حادة للغاية، وسأملأ لك جميع أوانيك لبنا.
أقبل الحداد الماهر على سن القرون المائة على المائة حتى صارت تبرق حدة، وحلبت له عنز البزية من خالص اللبن حتى ملأ كل أوانيه.
****
عادت عنز البزيه وقرونها تفري السماء إن لامستها، إلى الأسد الذي أقبل على جذع شجرة يحك عليه أنيابه منذ أمس حتى أصبحت عاجزة عن قطع أمعاء باردة.
وكانت الحيوانت قد حضرت حاشرة وأيديها على قلوبها إشفاقا على عنز البزية من بطش بابه الذي اعترف لها أمس بتعمد أكل أبنائها وبناتها، وتطاول عليها وتاه بلبدته.
قال بابه لعنز البزيه في تحد كبير:
- تهاجمين أنت أولا، أم أهاجم أنا؟
قالت له:
- أنت صاحب الرأي. فاسبق إلى رأيك.
هاجم بابه عنز البزية بضراوة فأسقط منها شعرة ونصف شعرة. وهاجمته بقرونها فأسقطت منه عضوا ونصف عضو.
هاجمها ثانية فأسقط منها شعرة ونصف شعرة، وهاجمته فأسقطت منه عضوا ونصف عضو.
هاجمها ثالثة فأسقط منها شعرة ونصف شعرة، وهاجمته بنطحة هائلة فبقرت بطنه وتهاوى ميتا، فتساقط أبناؤها من جوفه وهم يثغون.
أخذت عنز البزيه أبناءها وخرجت وهم يتبعونها إلى كناسها وسط إعجاب كبير من جميع حيوانات البرية.
****
"وربطت أنا نعلي إلى قدمي، ورجعت إلى أهلي سالما أحدثكم بحكاية عنز البزيه دائرا عن دائر."