تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

d

على ترامب أن يستوعب حقيقة أن السعودية تغيرت

من أبرز الإشارات التي صدرت عن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب في احتفالية تنصيبه، حديثه عن علاقته مع المملكة العربية السعودية، وتحديدا قوله أنه مستعد أن تكون المملكة أول بلد يقصده في أول زيارة خارجية له، بشرط أن يدفعوا لإدارته 500 مليار دولار مشتريات من المنتجات الأمريكية، للمساعدة على خفض التضخم في الولايات المتحدة، وذلك أسوة باتفاقه السابق مع ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان عام 2017 والذي وصلت الصفقة فيه إلى رقم قياسي، حوالي 450 مليار دولار .

التصريح فيه من شخصية ترامب الشعبوية ولغة المقاهي المتجاوزة للتقاليد والأعراف السياسية وغير السياسية، فشخصيته "الجلفة" التي تشكلت طوال أكثر من سبعين عاما لن تغيرها سنوات قليلة يقضيها في البيت الأبيض، فهل كان ترامب يقول هذا التصريح من باب الاستظراف والفكاهة؟ أم أنه كان يقصد ما يقول بالضبط ويفكر فيه من الناحية العملية ؟

أعتقد أن ترامب وإدارته الجديدة ـ عناصرها حديثة عهد بالسياسة الدولية ـ لم يستوعب أن السعودية في 2017 تختلف تماما عن السعودية في 2025 ، سواء من جانب حسابات المملكة الداخلية أو من جانب حساباتها الدولية، أو من جانب صورة ترامب نفسه وشبكة علاقاته في الشرق الأوسط قبل وصوله للسلطة، والآمال التي عقدت عليه وقتها من أكثر من بلد، وهي الصورة التي اختلفت كثيرا اليوم، ولم يعد الاحتفال بوصوله للبيت الأبيض اليوم يماثل تلك اللحظة قبل تسع سنوات، في ولايته الأولى، لأن ترامب في تلك الولاية أخذ أكثر بكثير مما أعطى، وتقريبا لا يذكر له أي إضافة حقيقية سوى واقعة اغتيال قيادي الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ومعه أحد قادة ميليشيات العراق الطائفية، وتجاهله للتصعيد في ملف قضية جمال خاشقجي، غير ذلك فقد خذل العرب كثيرا، وأضر بقضية فلسطين كثيرا، وهو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي جرؤ على الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة العبرية، كما منح تل أبيب مساحة أوسع للتحرك في المنطقة وفرض القرار والهيمنة، وورط الإمارات فيما يعرف بالديانة الإبراهيمية، وبالتالي، فعندما يأتي ترامب إلى المكتب البيضاوي اليوم ويستذكر صورته الأولى ورحلاته في المنطقة، فسيكون مخطئا تماما في تقدير قيمته أو صورته لدى زعماء المنطقة، أو تقدير الآمال المعلقة عليه من قادتها.

على جانب آخر، فأحوال المملكة العربية السعودية اليوم تختلف كثيرا، وكثيرا جدا، عن أحوالها في 2017، كانت هناك مشكلات وقتها في ترتيب الأوضاع في بيت الحكم، وكانت هناك ـ بهذا الصدد ـ  توترات داخلية لا تتحمل أي توترات خارجية، كما كانت هناك كارثة مقتل جمال خاشقجي رحمه الله، والتي سببت ضررا فادحا للمملكة وصورتها في العالم، كما تسببت في ضرر سياسي شخصي كبير، وكبير جدا، لولي العهد الجديد الأمير محمد بن سلمان، واستغرق الأمر شهورا، بل سنوات لكي تطوى آثار تلك القضية، وتتجاوز المملكة عثرتها وتوابعها، كذلك كان ولي العهد حديث عهد بالسلطة ومسؤولياتها وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، اليوم الوضع اختلف تماما، وهذا واضح لأي مراقب لتطور السياسات السعودية الخارجية بشكل خاص، فبيت الحكم أكثر استقرارا، وتوتراته تلاشت تماما تقريبا، وخبرة عشر سنوات في تحمل كامل المسؤولية عن دولة كبيرة بحجم المملكة، كانت كافية لصقل الشخصية القيادية، ووضعها على المسارات الصحيحة في ضبط علاقات المملكة الإقليمية والعالمية، وكان ذلك واضحا جدا في إصلاح العلاقة مع الجارة المهمة وذات الحضور الدولي "قطر"، وإصلاح العلاقات مع القطب السني الكبير "تركيا" بعد القطيعة، بل ووصول العلاقة سريعا إلى تحالف استراتيجي على مستويات اقتصادية ودفاعية، والانفتاح السعودي على الصين وروسيا، اقتصاديا وعسكريا، وبروز موقف سعودي أكثر صلابة تجاه قضية التطبيع مع إسرائيل، حيث تصر المملكة على اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة على حدود ما قبل يونيه 1967، كشرط أساس قبل تطبيع علاقاتها مع تل أبيب.

كذلك فالأخطار الإقليمية التي كانت تزعج المملكة وتضغط على صانع القرا فيها في 2017 وما بعدها، لم تعد موجودة عمليا، فسوريا الأسد التي تمثل العصب الأخطر في عدوانية المحور الإيراني المعادي للمملكة انتهت، وولدت سوريا جديدة حليفة للمملكة ولها خطاب سياسي واضح بالرغبة في تحالف استراتيجي معها، كذلك حزب الله اللبناني ونفوذه الداخلي والإقليمي تم كسره بانتصار الثورة السورية والضربات العنيفة التي تلقاها من تل أبيب، وتم تقليم أظفاره سياسيا وعسكريا حتى في الداخل اللبناني، وإيران التي كانت تمثل التحدي العسكري والاستراتيجي الكبير للمملكة أصبحت أضعف كثيرا مما كانت عليه في 2017، وهي مشغولة ـ لسنوات طويلة مقبلة ـ في إعادة بناء اقتصادها المتهالك وحماية بنيتها الوطنية المهددة بالتفتت والانقسام داخليا، ومحورها الإقليمي تم كسره وإنهاء مشروعه، خاصة بعد انتصار الثورة السورية، والحوثي في اليمن أصبح محاصرا دوليا ويتعرض لضربات عنيفة أمريكية وبريطانية لحسابات لا تتصل بالمملكة، وإنما بضمان شريان التجارة العالمي، أي أنه أصبح مشكلة دولية وليس سعودية، مما خفف عبئه عن المملكة.

لذلك، سيفيق ترامب من حلمه اللذيذ بالدولارات السعودية سريعا، ويعود إلى احترام واقع جديد، وبطبيعة الحال لن يقع صدام بين المملكة والولايات المتحدة، لأن هذه علاقة تاريخية معقدة ومتشابكة ولها عمق تاريخي أبعد من ثلاثة أرباع القرن، لا تتغير بتغير القيادة هنا أو هناك، لكن الندية ستكون عنوان تلك المرحلة الجديدة من العلاقات، والمملكة لم تعد بوارد تقديم تنازلات من أي نوع، سياسيا أو اقتصاديا، لخطط ترامب أو مشروعاته في الداخل الأمريكي أو في الشرق الأوسط أو في العالم .

والأهم في تلك المرحلة أن يقف العرب في ظهر المملكة فيما يخص ورقتها الضاغطة على تل أبيب والتي تشترط إعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة، كشرط للتطبيع، وهي ورقة يدعمها قرار سابق لمجلس الأمن الدولي، كما أن إظهار ترامب قدرة استثنائية في توجيه القرار الإسرائيلي بضغطه العنيف على نتانياهو لوقف عدوانه على غزة وقبوله باتفاق الهدنة الذي تهرب منه أشهرا طويلة أيام إدارة بايدن، وهو أمر لا سابق له في علاقة الطرفين، يفتح باب الأمل في إمكانية الضغط على ترامب نفسه بموقف عربي وإسلامي موحد، لإجبار تل أبيب على القبول بالورقة السعودية، لأن هذا هو السبيل الوحيد لإقامة سلام حقيقي في المنطقة لعقود مقبلة.

18:18 - 2025/01/22
18:18 - 2025/01/22

تابعونا

fytw