دبلوماسي مغربي سابق يتساءل في مقال رصين عن مستقبل علاقة بلاده باسبانيا
الجمعة, 11 يونيو 2021 13:05

altوأخيرا تمكنت اسبانيا من إيجاد حل لأزمتها الداخلية بإعادة ابراهيم غالي إلى بلاده الجزائر، دون أن تتمكن من حل أزمتها مع المغرب، 

التي سترخي بظلالها دون شك على مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد على الأقل في المستقبل المنظور. في انتظار الإجابة على الأسئلة المغربية المعلقة التي استعصى على الممتحن ـ بفتح الحاء ـ الإسباني الإجابة عليها، لسبب بسيط أنه لا يملكولم يتمكن من تقديم أجوبة شافية كافية مقنعة، مكتفيا بالمناورة والمراوغة، خاصة بعد أن أشهر الورقة الأوروبية في وجه المغرب، سعيا  لتحويل الأزمة من ثنائية، مدريد الرباط إلى ثلاثية مدريد الرباط بروكسيل / ستراسبورغ.

ويعود الأمر، إلى أن سبب الأزمة في شقه الأول، يتعلقبخرق سافر لقواعد قانونية اسبانية وأوروبية بل ودولية تتعلق بالتغطية على استقبال شخص بوثائق وهوية مزورة، لم تتحل معها مدريد بالشجاعة للاعتراف بخطئها الفادح، وفي شقه الثاني لم تأخذ العدالة مجراها الحقيقي في نازلة غالي المتخفي تحت اسم بن البطوش ليقول القضاء كلمته بعد استكمال كافة التحقيقات القضائية والنظر في طعون الضحايا، وفي شقها الأخير لم تأخذ الحكومة بعين الاعتبار ما قد يترتب عن اندفاعها من عواقب على علاقاتها مع بلد، تتقاسم معه قواعد حسن  الجوار والمصالح المشتركة الواسعة الامتدادات.

تكفل القضاء الإسبانيفي الأخير بحسم الموقف، وإنقاذ ماء وجه الحكومة أو اسبانيا باتفاق في جنح الظلام، صدرالحكمإثره كحل سياسيتم خارج نطاق قواعد العدالة والقانون. فالقرار كما بدا عبر عن تسوية بين السلطتين القضائية والتنفيذية، لوقف نزيف تداعيات هذه الأزمة داخل الساحة السياسية والقضائية والإعلامية بإسبانيا أولا وأخيرا. ليتبن وبالملموس أن الديمقراطية وقاعدة فصل السلط واستقلالية القضاء لم تحترم في هذه النازلة، لأسباب مكشوفة تعرفنا من خلالها على من تكون إسبانيا، وأن السياسة لازالت أسمى من العدالة.

وبالرغم مما خلفته أزمة الانفصالي غالي من آثار سيئة على العلاقات بين البلدين، وفي توقيت يستدعي ضبط النفس وتهدئة الأجواء، فإن اسبانيا حكومة وأحزابا معاديةواصلت استفزازاتها للمغرب، عبر سلسلة من الإجراءات والمواقف المناوئة، تجلت في قيام القوات المسلحة الاسبانية بإجراء مناورات وتدريبات عسكرية قبالة سواحل الحسيمة، ومطالبة الجيش الاسباني الحكومة بتوفير وسائل ضمان مراقبة الحدود في سبتة ومليلية بالإضافة إلى الجزر الأخرى في البحر الأبيض المتوسط، كما قام زعيم الحزب الشعبي الاسباني "بابلو كاسادو" بزيارة لمدينة سبتة في سياق الضغط على حكومة بلاده، وإمعانا في الاستفزازات سبقه إلى سبتة زعيم حزب "فوكس" الاسباني اليميني " سانتياغو أباسكال" الذي أدلى بتصريحات عنصرية ضد المغاربة.

تلى ذلك مضي إسبانيا في استخدام ورقة الهجرة لكسب الدعم الأوروبي، حين سعت في خطوة ثانية إلى البرلمان الأوروبي بغاية إحراج الرباطباستصدار قرار يدين المغرب في "قضية القاصرين"  محاولة من جانبها " صرف الانتباه عن أزمة سياسية ثنائية تخص المغرب واسبانيا، بل هي محاولة لإضفاء بعد أوروبي على أزمة لا علاقة لها بالهجرة"، كما جاء على لسان السيد الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب المغربي. غير أن الاتحاد الأوروبي لم يبتلع الطعم الاسباني، عندما سارع إلى الترحيب بقرار المغرب المتعلق بالتسوية النهائية لملف "القاصرين غير المرفوقين" حيث أكدت المتحدثة باسم الاتحاد للشؤون السياسية والأمنية أن "المغرب يعد شريكا مهما بالنسبة للاتحاد الأوروبي وأحد أقرب جيراننا"  في إشارة تنبيه واضحة للإسبان وموقف داعم للمغرب.

في مجملها تحرشات تعمدت إسبانيامن خلالها الزيادة من حدةالضغوطات السياسية والعسكرية على المغرب، والسعي للإساءة إلى سمعته الدولية المتميزة. جملة هذه المواقف العدائية تؤكد صدق ما ذهب إليه المغرب منذ البداية، بالتأكيد على أن الأزمة مع اسبانيا هي فعلا أزمة عميقة، تكشف النوايا الحقيقية التي يقف وراءها لاسيما في الظروف الراهنة، رئيس الوزراء "بيدرو شانسيز" ووزيرة خارجيته "أرانتشا غونزاليس لايا"، الذي رغم تحذيرات وزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات في اسبانيا، من عواقب مثل هذا النوع من القرارات المناهضة لقضية الصحراء على العلاقات مع المغرب، لكنه أصر على المضي في مواقفه، في سلوك منحرف يذكرنا برئيس الحكومة الأسبق خوسي ماريا أثنار.

وكان المغرب قد سجل سلسلة من المواقف الاسبانية المعادية الخارجة عن المألوف والمستفزة، نذكر منها على الخصوص تصريحات وزيرة الخارجية الاسبانية، أرانتشا غونزاليس لايا، التي انتقدت فيها قرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، متأملة من إدارة الرئيس جو بايدن أن تعيد النظر في قرار إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، قبل أن يصدمها القرار الأمريكي الجديد باعتماد اتفاقية الاعتراف الرسمي بمغربية الصحراء. نستحضر هنا أيضا قيام رئيس الحكومة بأول زيارة رسمية له للخارج إلى الجزائر في أكتوبر 2020، وهي خطوة غير مجانيةكانت تشير إلى تحول ما في الموقف، الذي خالف القاعدة التي اعتمدها سلفه من رؤساء الحكومات، لكن المغرب لم يفوت الفرصة فرد عليها بطريقة دبلوماسية بالغة الأثر.

في أعقاب مغادرة الانفصالي غالي التراب الاسباني دون شفاء ، كظم المغرب غيضه دون أن يعفو، ظل صامتا محتفظا بحقه بالرد على المواقف الاسبانية المعادية الممعنة في الاستفزاز. لكنه أبلغ الحكومة الإسبانية رسالة واضحة، مفادها أن استقبال غالي ليس جوهر المشكل، بل الجوهر هو مسألة ثقة تم تقويضها بين شريكين، كما هو مسألة دوافع خفية معادية لقضية الصحراء المغربية، محملهم مسؤولية الضرر الذي أصاب العلاقات بين البلدين.

فجاءت أولى الردود المغربية مؤلمة للإسبان، بالإعلان عن استبعاد الموانئ الاسبانية من عملية مرحبا 2021، واستخدام موانئ "سيت" بفرنسا و"جنوة" بإيطاليا، وهو القرار الذي نزل كالصاعقة على العديد من عمداء المدن الاسبانية على رأسهم الجزيرة الخضراء، الذين باتوا يتحدثون عن خسائر بملايين "اليورو" جراء القرار المغربي، كما وصفت" إلموندو"  إحدى كبريات الصحف الاسبانية قرار " إقصاء الموانئ الاسبانية بالضربة القاسية التي وجهها الملك محمد السادس لإسبانيا، حيث تسببت في خسائر تقدر ب 500 مليون يورو".

العلاقات المغربية الاسبانية بعد هذه الأزمة بات يحكمها واقع جديد، سيعمد كل طرف إلى إعادة ترتيب أوراقه وحسابات الربح والخسارة. فمآل هذه العلاقات يزداد غموضا في ظلتصاعد التوتر وغياب طرف محاور خاصة لدى الجانب الاسباني، بعدما تبين أن أطرافا رئيسية داخل الحكومة ( رئيس الوزراء و وزيرة الخارجية) تتحمل مسؤولية تأزم الوضع بين البلدين. فهل افتقدت هذه الشخصيات مصداقيتها أمام المغرب في الحوار والتواصل ؟ هل ستتكلف شخصية وزارية أخرى وازنة داخل هذه الحكومة بفتح قناة تشاور وعلى أي أساس؟ هل سيتدخل العاهل الاسباني، رغم محدودية صلاحياته الدستورية، في لعب دور ما للتقارب وعودة المياه إلى مجاريها؟ هل الأمر يحتاج إلى وساطة دولية؟ هل على المغرب  انتظار حكومة اسبانية جديدة في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية القادمة ؟ ليطوي  صفحة التوتر وسوء التفاهم ويفتح عهدا قائما على احترام مبادئ حسن الجوار والاتزان والصداقة، التي يجب أن تطبع سلوك البلدين لاسيما من الجانبالإسباني حتى لا يتكرر ماجرى.

تذهب بعض التحليلات إلى أن العلاقات بين البلدين مهددة بقطع الروابط الدبلوماسية وتجميد كل النشاطات. غير هذا الأمر يبدو مستبعدا إلا في حال استمرار التهديدات والمضايقات الاسبانية، فليس من مصلحة أي طرف أن تصل الأزمة إلى هذا الحد. فالمغرب اكتفى  بالتهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية وباستدعاء السفيرة من مدريد للتشاور، وعودتها ستظل رهينة بما قد يحصل من تطورات في ملف العلاقات والحوارات والمشاورات السياسية خلف الكواليس والوساطات.كما عبرالمغرب صراحة عن انزعاجه من طبيعة التعاطي مع قضية الصحراء المغربية، التي تظل النقطة السوداء في العلاقات المغربية الاسبانية، هذا إذا أضفنا إليها ملف المدينتين السليبتين سبتة ومليلية. فهل وصلت الرسالة المغربية إلى الاسبان؟ أم أن التحرش والاستفزاز والمناورة سيظل سيد الموقف الاسباني ليدخل البلدان منطقة الأعاصير والصراع المحموم.

 

محمد بنمبارك..

*دبلوماسي مقربي متقاعد

 

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

إعلان

البحث