تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

d

محاولة كتابة قصة

( محاولة في كتابة قصة)

إعادة تدوير

..بعد أن عددت المبلغ المتحصل من جهد نهار آخر في النبش والتنقل من مزبلة الى اخرى، لجمع أي شيء قابل للبيع والتدوير. وكان مبلغا مقبولا بعد، وإن صار إلى تناقص مطرد في الآونة الاخيرة، بعد أن تكاثر رواد المزابل طلبا
لبركاتها !
غيرت ثيابي وحذائي، وأنا حريص على الظهور في صورة لائقة ومحترمة، تؤكد أن العيش من المزابل شطارة وليس سُبّة !
وأخذت الطريق المعتاد الى المقهى المعتاد، حيث أستطيع أن أحجز كرسيا في مجلس حول
طاولة، أكون سيده، لايعلو منه صوت على صوتي، ولاكلام ينافس كلامي، وتشرئب كل الآذان فيه صوب لساني !
فأحكي، واحكي..وإن بدا ماأحكيه خياليا..لكنه ليس كذلك، إلا في الظاهر فقط. إذ لاأُعِدّ كل تلك
الحكايات مسبقا، بل تطلع من اعماقي وتنبجس على لساني كما ينبجس نبع ماء من باطن الارض، لاأحد يعلم أنه كان هناك، تحتها..لكنه كان !
لذلك أكون أنا نفسي أول المتفاجئين من تلك الحكايات، لكنها مفاجأة جميلة كمفاجأة المطر لأرض عطشى، وينهمر لساني، وأصير غيمة لاتملك أن تحبس قطراتها !
لاتكون تلك الحكايات خيالية، لأني أدرك أنها أيضا حصيلة التنقيب اليومي في المزابل، حيث
يُلقي الناس بأشيائهم المستهلَكة ومعها حكايات إرتبطت بها، فوراء كل مسمار صغير كساه الصدأ
حكاية كساها الصدأ أيضا..وأنا ألتقط تلك الاشياء ومعها حكاياتها، حتى صرتُ آلة بشرية،
لإعادة تدوير الحكايات، عن غير سبق وتصميم،
والخيال إعادة تدوير لواقع مستهلَك !
لكن، هذه المرة، كنت عازما على تغيير مجلسي،
والإنحشار في آخر، حيث ذاك الشخص الذي لاأحبه ولاأكرهه، لكن أخشاه ولاأرتاح له كما لايرتاح الذباب للزهور ! إذ يحشرني كلامه في زاوية قذرة ضيقة بالكاد أعثر فيها على هواء يمكن تنفسه، ويصدأ لساني، وأنمحي كأن لاأحد
يجلس على الكرسي !
كنت عازما على تحمل ذلك، لأن من يريد العسل
لابد أن يلسعه النحل، وفي كلامه لاح شهْد عسل، وبالتحديد شهْد مزبلة، سال له لعابي، أنا
المعني بتتبع أخبار المزابل ! 
إذ تسرب الى مسمعي من مجلسه القريب من مجلسي في ساحة المقهى، حديثه عن مزبلة جديدة، لم أسمع بها من قبل، هي مزبلة التاريخ،
حيث سينتهي كل سادة البلدة، هؤلاء الذين تحمل أحياؤُها وأختامُها أسماءَهم ويوسع الناس
فيما بينهم كي تمر مواكبهم !
وقد سمعته يؤكد، بثقة لاتتزحزح، أنهم لابد أن ينتهوا هناك، وظل يردد: لابد لابد لابد..وعما قريب ! فأدركت أنها لابد أن تكون مزبلة عظيمة،
وحتى ذبابها سيكون عظيما يبدو أمامه الذباب الذي خبرته في كل المزابل التي عرفتها ذبابا بائسا !
وعزمت أن أعرف منه أين سيكون مكانها، بطريقة أو بأخرى، لأكون جاهزا، على أهبةٍ، وأصلها في طليعة الواصلين.. فلابد أن تكون هناك أشياء عظيمة لإعادة البيع، وإن علاها صدأ
لابد أن يكون صدأً عظيما، ومعها أيضا سألتقط حكايات عظيمة لإعادة التدوير، ستجعلني عظيما في مجلسي..والمقهى كله !

16:26 - 2025/01/24
16:26 - 2025/01/24

تابعونا

fytw