يوم المعلم / محمدن ولد امد
الأربعاء, 17 فبراير 2021 01:24

altرأيت لبعض أهل هذا الفضاء مبادرة حسنة، فيها العرفان بالجميل لمدرسيهم وتعاهدهم لهم بالدعاء والثناء، وإنها لعمري 

لمبادرة حسنة ولفتة طيبة؛ ولو أنها لا تفي بحقهم ولا تظهر مدى قدرهم، إلا أن فيها من الاعتراف بحقهم ما فيها، وفيها التماس الدعاء لهم، وإن ذلك لأمر عظيم، وشأن جسيم، وما لا يدرك كله لا يترك كله.

فرأيت أن أحذو حذوهم وأسلك مسلكهم "اِلَ عادت ماه نِيَّ ؛ عند الناس أُلا فيهَ باس". فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل: أسأل الله تعالى أن يجزي بالخير والحسنى كل من درسنا أو أشرف على تدريسنا من رجال أو نساء في مختلف مراحل الدراسة فقد بذلوا جهدهم أما النقص فمني، أسعدهم الله وأجزل لهم الثواب. وسيكون الحديث اليوم عن أحد أولئك المعلمين الأفاضل لاعتبارات؛ منها مثلا مدة التدريس فقد درسنا أربعة أعوام، ومنها أنه سبق الحديث عن بعض هؤلاء جزاهم الله عنا وجزى من كتب عنهم خيرا. كان معلمنا في السنة الثالثة الابتدائية أستاذنا وشيخنا المختارم بن أحمدو بن المختار رحمه الله تعالى في قسم من أفاضل طلاب مدرسة ابير التورس من الأتراب والأصحاب والأحباب، تولى تدريسه أربعة أعوام حتى تم النجاح بل التفوق والتميز في مسابقة دخول الإعدادية. كان للوالد المختار ام منهجية متميزة في التدريس، تقرب الأقصى بلفظ موجز ، وتبسط البذل بوعد منجز، ولتلك المنهجية رافدان: -الموسوعية: فقد كان يروي غليل الطلاب من معين علمه الفياض كأنما يغرف من بحر لغزارة معلوماته وتضلعه من الثقافتين الأصلية والعصرية. -طريقة التدريس: كان يمزج بين الصرامة والأريحية، فحين كان يحرص على تقديم المقرر الدراسي على أكمل وجه، كان يلاطف الطلاب ويشير لكل واحد منهم بقصة طريفة مثلا أو ببيت من الشعر ورد فيه اسمه، وإنه لعف اللسان صفي الجنان كريم البنان. وكان -مع علمه وفضله وتوليه لمهام مهمة من أمور القرية- على تواضع جم فإن أنس لا أنسى وقوفه معنا في ظل شجرة أهل جدُّ قرب المدرسة نعرض عليه باكورة محاولاتنا الشعرية، مما لا يستقيم وزنه ولا يشتد عوده في اللغة والنحو، ومع ذلك يصغي إلينا إصغاء ويشجعنا تشجيعا جزاه عنا الله خيرا. وكان يسير بين الصفوف مداعبا هذا وملاطفا ذلك، يترنم بمختارات من الأدب الفصيح والشعبي المميز. فكنت تسمعه ينشد بين الصفوف والطلاب يكتبون الدرس دالية المخزومي: ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة إنما العاجز من لا يستد.. ورائية الكندي: سما لك شوق بعد ما كان أقصرا وحلت سليمى بطن قو فعرعرا كنانية بانت وفي الصدر ودها مجاورة غسان والحي يعمرا.. ولامية الحميدي: سبت لبه من بعد كبرته جمل ففي جفنه وبل وفي عقله خبل وفي قلبه نار من الهم تلتظي زوافرها تعلو وتسفل إن تعلُ وقد طالما أورت تباريح وجده ولم تمنحنه الوصل إن مُنح الوصل فلله جمل ما أمر فراقها وما أعذب المرين إن رضيت جملُ.. أو من روائع اتهيدين: يلِّ ما عنك خفيَّه بردْ عني سمْ اللفحَه أُگابل حلمَك بتعاصيَّ لا تفظحنِ ذيك الفظحَه .... والخندود العلاَّليَّه دم اسلاهَ ما فات اسحَ ما يعطين ماه هيَّ سامكه مزال اظرحه.... ذلك غيض من فيض ما يتحفنا به من أدبه الجم، حتى ليخيل إلينا أننا شهدنا امرأ القيس إذ ركب، والنابغة إذ رهب، وزهيرا إذ رغب، والأعشى إذ طرب، وأنه يمكننا المفاضلة بين نقائض فحلي عصر بني أمية جرير والفرزدق، ونجمي عصر بني عباس حبيب والبحتري، وربابيات شيخي بني حسن: مغنى الرباب مرب جون ربابه أودى به من بعد بعد ربابه.. .... ربع الرباب بواسط الألوى به آي تكون بعد ما ألوى به.... . فقد كان أستاذنا راوية للأدب خريتا في مهامهه، لم أر من يفري فريه في استظهاره.

وكان يعلمنا الفقه تعليما جميلا ويزيد في المناسبات ما يناسبها كأحكام الصوم عند اقتراب شهر رمضان مثلا. وكان في النحو واللغة لا يبارى يسرد لنا شواهد الألفية ويمتحننا في الإعراب "الزرگ" "هو فتاهَ لا اتليتْ ادوَّر يعرب حد بيت أُهو فتاهَ لا اجبيتْ اعل المعطَ واعطاهَ.." ويأخذ لنا من كل فن بطرف كالأصول والمنطق والتجويد ونحو ذلك. أخذ تلك العلوم عن أشياخه العلامة محمد عال ولد محنض والعلامة گراي ولد أحمد يوره رحمهما الله تعالى، والعلامة حمدا ولد التاه حفظه الله، بعدما حفظ القرآن الكريم على يد القارئ الصالح الشيخ سيد ولد والد رحمه الله تعالى وجوده عليه تجويدا، وربما أم الناس في التراويح عند تغيب أخيه عبد الله رحمهما الله تعالى.

أما الإحسان والتصوف فهو فتى فتيانه المجلي في ميدانه حدث عنه فيه ولا حرج، حدثني شيخنا الشيخ علي الرضى بن محمد ناج حفظه الله ورعاه إثر مجلس جمع بينهما أنه من أعرف الناس به. وكان يستظهر حكم ابن عطاء الله عن ظهر غيب ويورد ما شرحها به ابن عجيبة وابن عباد كأنما يأخذه من جيبه، ويملي علينا كرامات الباز الأشهب سلطان الأولياء وواردات أبي الحسن الشاذلي ويحدثنا عن كبار مريديه ومريديهم كأبي العباس المرسي وابن عطاء الله والبوصيري، ويعللنا بدرر إحياء علوم الدين لمجدد القرن الخامس، ومعارف القشيري في رسالته وخاتمة التصوف لليدالي ونظم الشيخ الخديم لها. فقد أخذ عن شيخه وخاله الشريف القطب أحمد محمود ابن ادَّنْ سمته ودله وتحليه وتخليه وحبه للخمول وعنه أخذ الورد القادري، وأخذ عن شيخه ولي الله احماد ولد ابا حسن تربيته وروعة توجيهه ودقة تعبيره وتقريبه لمسائل "السلوك إلى ملك الملوك"، وآثر عند اتصاله به الاشتغال بما يقرب إلى الله زلفى، فظل يعبد ربه آناء الليل وأطراف النهار، يجاهد النفس لرب العالمين ويتحلى بمقامات اليقين.

وكان رحمه الله تعالى يروي لنا السيرة النبوية كأنه كان حاضرا في غار حراء وقد "ألف -النبي صلى الله عليه وسلم- النسك والعبادة والخلوة طفلا وهكذا النجباء"، وعند حلف الفضول ورفع الحجر وإرهاصات النبوة وفي الإسراء والمعراج "وبعد واحد ونون عرجا فوق السماء درجا فدرجا" عليه الصلاة والسلام، وفي غار ثور وطريق الهجرة وفي البعوث والسرايا والغزوات، وما أحسن قول العلامة امحمد بن أحمد يور في رثاء العلامة محمذن ولد علي: وتحسبه بذي قار شهيدا عيانا بين مجمعه الكبير وفي حرب البسوس وقال فيها "أليلتنا بذي حسم أنيري" وفي أحد وفي حملات بدر وحرب بني قريظة والنضير وما فعل الخوارج في قديد وأفعال الفويسق والمبير وهذا من مناقبه قليل وقد يبدو القليل من الكثير. لقد كان كما قال عنه الشاعر الأديب العالم الفقيه الشريف علي الرضا بن الحسن ابن عابدين الصعيدي في رائعته التي رثاه بها:

عزاء لأفق العلم إذ غاب بدرُه وللحلم إذ قد ضاق بالهم صدرُه

قضى الحبر مختارم فالمجد شاحب وجيد الجدى قد قلد الحزن نحرُه

على أننا نرضى بما الله قد قضى وأمضى تعالى الله فالأمر أمرُه

قضى السيد المفضال والماجد الذي به امتد صرح المجد واشتد أزرُه

حياة المساعي والعلوم حياته وعمر المعالي والمكارم عمرُه

فتى جِدُّه في المكرمات وهَزله ويحسن سر الفضل فيه وجهرُه

فتى وجهه طلق أغر لدى الندى ويا حبذا طلق المحيا أغرُّه

سيذكر إن تذكر علا ومفاخر وآخر ما يبقى من المرء ذكرُه

إذا يَكتسي مجد فإنك عقده وإن يبتسم فخر فإنك ثغرُه

وإن الهدى أنف ووصفك شنفه وإن الندى عقد وجودك شذرُه

له راحة كالقطر يَغْدَقُ جودها له خلق كالعطر يَعْبَقُ نشرُه

ومجد كحلي الدر يلمع حسنه ووجه كضوء الصبح يسطع فجرُه

وقد زاد علياه تواضعُه علا ورب رفيع حط علياه كبرُه

وإذ طاب نجرا طاب فرعا ومنشأ كذاك يطيب الفرع إذ طاب نجرُه

ودام محمدن أخوه أخو العلا حميد المساعي هامر الفضل وفرُه

أبي سني عارف متألق هُدًى ذكره لله دوما وفكرُه

ولله عبد الله وامَّدُّ لا عدا ضريحيهما من وابل الغيث غمرُهُ

فما منهما إلا فتى زانه التقى سناء وترتيل الكتاب وحدرُهُ

وإنفاق أحمدُّ بن مختار الرضا على صفحة التاريخ قد لاح سطرُهُ

كريم على عسر الزمان ويسره فما ضره عسر الزمان ويسرُهُ

عظيم الجدى مردي العدا مرتدي الهدى بعيد المدى أربى على الحصر شكرُهُ

ونحمد مولانا فذا الشيخ أحمد به فل ناب الخطب عنا وظفرُهُ

أديب لبيب ماجد ذو سماحة صبور إذا ما النكس قد عيل صبرُهُ

حكيت أباك الحبر في العلم والندى كما الفرس المقدام يحكيه مهرُه

معاليك علياه ومجدك مجده ومسعاك مسعاه وفخرك فخرُه

.........

ويا حبذا آل البُ أجمعهم فهم حمى الملتجي فخر المرجي وذخرُهُ

كم اعطوا فقلنا الغيث أبدته شامه وأسدوا فقلنا النيل أهدته مصرُهُ

وزان العلا أبناءُ أبهم كلهم كما زان روضَ النَّور والنور زهرُهُ

بدا كلهم في الدين شمسا يحفها غمام ندى ما إن تخلف قَطرُه

فلا ضوءُ شمس الدين يُذهب غيمها ولا الغيمُ منها يَحْجُب الضوءَ سترُه

حووا بالتقى والمجد فضلا على الورى كما فضل الشهر المحرم عشرُه

صلاة وتسليم على أحمد الهدى ملاذ الورى إن ألجم  الخلق عذره.

رحم الله السلف وبارك في الخلف.

محمدن ولد أمد

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

إعلان

البحث