من إمبراطورية “لا تغيب عنها الشمس”.. إلى جزيرة معزولة
الأربعاء, 30 ديسمبر 2020 16:28

altتوصل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى اتفاق تجاري لمرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد منهياً بذلك شهوراً من الخلافات بشأن حقوق الصيد وقواعد العمل في المستقبل بعد ثلاث سنوات من المفاوضات الشاقة، وبعد نصف قرن من 

الشراكة هاهي بريطانيا تفارق الاتحاد الأوروبي، حيث قالت رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون ديرلاين: “إنه اتفاق عادل ومتوازن وسوف تظل بريطانيا شريكاً موثوقاً به”، بينما قال رئيس وزراء بريطانيا يوريس جونسون: “لقد استعدنا السيطرة على أموالنا وحدودنا وقوانيننا وتجارتنا ومياه صيدنا.. وإن حكومة بريطانيا قدمت هذه الصفقة الكبيرة المهمة المثمرة للمملكة المتحدة بأكملها في وقت قياسي وفي ظل ظروف عالمية صعبة للغاية”..

بعيداً عن مدة الاتفاق أو بنوده..أو لمصلحة من؟.. أو كونه مؤشرا لبدء انفراط عقد الاتحاد الأوروبي!.. ولكن اللافت أن هذا الاتفاق جاء بعد انتشار العنصرية والشعبوية في أوروبا ومعظم العالم والتي غذاها بلا شك تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدة أربع سنوات في الحكم ونكاية بانفتاح ألمانيا وفرنسا وهولندا على فتح حدودها للاجئين من كل أصقاع العالم؟ لأن بريطانيا كانت ترى بنفسها أنها تمثل “الأب والأم” الذي يدافع ويصرف على العائلة الأوروبية والاتحاد الأوروبي من دون مقابل واللاعب المهم في حلف الأطلسي “ناتو” وآن الأوان للتخلي عن تلك “الأبوة” التي كلفت وتكلف بريطانيا تكاليف باهظة الثمن؟.

بعيداً عن هذه الأسئلة التي تبحث عن إجابات.. تبرز إجابات أخرى أكثر واقعية، لماذا البريطانيون يحتفلون بخروجهم من الاتحاد الأوروبي بعد أن كانوا بالأمس القيادة والمرجعية والسند لدور الاتحاد.. اليوم ينكفئون بعد أن كانوا بالأمس القريب “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”.. وهي بذلك ودعت الممالك والإمارات التي كانت يوماً تحت سيادتها، اليوم ودعت سيادة البحار والميحطات.. اليوم ودعت السيطرة على الكثير من الجزر المتناثرة في أعالي البحار التي كانت بمثابة مراكز اتصال وسيطرة وسيادة على الممرات المائية الحيوية الإستراتيجية.. اليوم البريطانيون أخذوا براءة ذمة لجزيرتهم المعزولة من تركة الماضي “العريق”، اليوم جائحة “كوفيد19” واتفاق “بريكست” يخرجان بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. ويحولانها إلى جزيرة مغلقة معزولة منكفئة على نفسها منطوية على ذاتها بعد أن كان شعبها يملك مفاتيح البحار والمحيطات والقارات و”السيد الأوحد” على المضائق وكان آخرها قناة السويس التي أبدعها الفكر الفرنسي.. ولكن امتلكها العقل البريطاني بعد شرائها، ثم الحرب من أجلها لتكتمل بها السيطرة على كل الممرات المائية الحيوية.. اليوم جزيرة بريطانيا خارج تكتل القارة العجوز التي حكمت عليها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد أن تكون مجرد جزيرة حدودها المياه الإقليمية فقط ليس أكثر.

هذه هي النتيجة الحتمية للإمبراطوريات القائمة على الاحتلال والسيطرة والعسكرة.. مهما طال الزمن.

وقد زالت الزوال الكلي بعد “بريكست” مثل الأحزاب الكبرى التي عرفتها بريطانيا وأوروبا.. وعاشت في ظلها عدداً من السنين النازية والفاشية. وسقوط بريطانيا اليوم بداية سقوط الظاهرة الغربية التي بدأت رغم امتلاكها مصادر تمويل ومنابر تأثير وإمكانات ضخمة على التضليل والتزوير وغسل أدمغة الناس بأخبار زائفة تارة وتارة أخرى بنظريات مؤامرة مركبة لضرب المجتمعات الأخرى وخاصة العربية لإطالة عمرها السياسي.. لكن كل هذا لم يشفع لها.. ولم يحمها وسقوطها الحر حتمي، وهذه سنة التاريخ والجغرافيا.. وكما سادت الإمبراطوريات القديمة وزالت وبادت.. اليوم جاء دور بريطانيا التي كانت بالأمس “عظمى”.. واليوم جزيرة معزولة في حدودها فقط..

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

إعلان

البحث