الأوضاع الأمنية في ليبيا ومستقبل البلاد السياسي/بقلم: عميرة ايسر
الجمعة, 23 ديسمبر 2016 00:15

altتشهد ليبيا الشقيقة منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر ألقذافي بعد السيل العرم الجارف المسمي بالثورات العربية والتي تكشفت عن مخططات أمريكية صهيونية من أجل تفتيت المفتت وتجزئة المجزَّأ في منطقتنا العربية تمهيداً للقضاء 

على الدَّولة الوطنية العربية ومشاريعها الوحدوية واستهدفت الأنظمة العربية التي رفضت إلى حدٍ كبير مشاريع الهيمنة الانجلوصهيونية علي العالم،وأولها النظام العراقي بقيادة المرحوم الشهيد صدام حسين سنة 2003 بعد غزو العراق وتدمير جيشه وقواته الأمنية وصولاً إلى ليبيا ألقذافي التي يرى محلِّلون وعلى رأسهم الدكتور "حافظ العويل كبير" "الباحثين في المعهد الأطلسي" أنه منذ استقلال الدَّ ولة الليبية سنة 1951 واختطافها من قبل نظام معمر ألقذافي وإطاحته بالملك السنوسي،دخلت الدولة في نفقٍ سياسي مظلم عجزت عن الخروج منه طيلة فترة 40 سنة بعدما كانت مثالا يحتذي به في منطقة المغرب العربي وإفريقيا.حيث قام وقتها الملازم معمر ألقذافي بقيادة ما سميت "مجموعة الضباط الوحدويين الأحرار" ما تعارف على تسميته بثورة الفاتح من سبتمبر المجيدة إذ بتاريخ 1 سبتمبر 1969زحفت هذه القوات على "مدينة بنغازي" واحتلوا مبني الإذاعة وقاموا بمحاصرة "القصر الملكي" بقيادة الضَّابط "محمد ألحميدي الخويلدي" واضطر ولي العهد لتسليم السُّلطة للثوار بين قوسين في ظلّْ غياب للملك "محمد إدريس السنوسي" الذي كان في رحلة لتركيا لتلقي العلاج والنَّقاهة،وبُعَيدَ تسلمه السُّلطة رفع ألقذافي من رتبته العسكرية إلى درجة عقيد.كما قام باتخاذ مجموعة من الإجراءات كان أهمها إجلاء القوات الأمريكية الانجليزية عن ليبيا،وإغلاق قواعدها فوق أراضيها نهائيا،كما قام بإغلاق بيوت الدَّعارة ومنع بيع الخمور،والغي الحياة السياسية في ليبيا وقام بحل جميع الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني.كما أنه قام بعد ذلك بتأميم المحروقات وإصدار دستور ليبي فريد من نوعه في العالم سمَّاه "الكتاب الأخضر" واعتبره مرجعه في الحكم والسُّلطة إضافة إلى إعلانه تأسيس ما يسمى "بالجماهيرية الليبية العظمي" وإنشاء اللجان الشَّعبية والجماهيرية وتسليمها السُّلطة بطريقة غير مباشرة،عن طريق المهرجانات والمؤتمرات التي عقدها للجان الشعبية.كما قام بإعطاء كل ليبي شهريا نصيبهُ من أموال النَّفط إضافة إلى بطاقات الدَّعم والتمويل الاجتماعي إلى غير ذلك من الإجراءات التي كان هدفه منهاَ هو منح السُّلطة للشعب تدريجياً ولكن غياب حرية الرأي والإعلام وإلغاء أي حقٍّ للممارسات الحزبية أو الديمقراطية المتعارف عليها في الدول الحديثة وتفكيك الدولة بمفهومها الوظيفي وحصرها في مجموعة من القبائل الموالية لها وعلي رأسها "قبيلة القذاذفة"،والتَّنكيل بالمعارضين السياسيين وطردهم خارج ليبيا وشنِّ حربٍ على المجموعات الإسلامية والليبرالية التي تتبنى أطروحاتٍ إيديولوجيةً وسياسية تخالف نهجه وتوجُّهه جعلت الأفق السياسي مسدوداً،وأدَّى ذلك إلى مجموعةٍ من التراكمات الاجتماعية والسُّوسيولوجية التي خلقت بيئة معادية لتوجهاته بالمجمل في مناطق كثيرة من ليبيا. -كانت رغبة النُّخب المثقفة الليبية هي إحداثُ تغييراتٍ جذرية على شكل وبنية وتركيبة النِّظام السياسي الليبي وبناء أنموذج ديمقراطي حضاري حديث،في ظلِّ انعدام وغياب رؤية إستراتيجية لدولة ليبية عصرية في كلاسيكيات الخطاب الأجوف في عهد ألقذافي،وكانت الفرصة مواتية في إجراء تغييرٍ سياسي جادٍّ وموضوعي بركوب موجة الربيع العربي فقامت احتجاجات شعبية في "منطقة بنغازي" توسَّعت وامتدت إلى كل مناطق ليبيا الخضراء،وخاصة "منطقة الجبل الأخضر- وبرقة- وطبرق" وغيرها من المحافظات والمناطق الليبية التي كانت تسمى في عهد ألقذَّافي "بالشَّعبيات "وعملت دولٌ إقليمية وعربية وقوى دولية على دعمها لتتحول إلى انتفاضة وثورة مسلَّحة ضمَّت عدَّة مجموعات وتنظيمات مسلحة بغض النظر عن من يقف خلفها أوعن توجهاتها الإيديولوجية أو الفكرية،وفي اللَّحظة المناسبة تم تشكيل "المجلس الانتقالي الليبي" والذي طلب من مجلس الأمن التَّدخل لحماية المدنيين العزَل حسب رأيه والتي كانت تتعرض إلى مذابح وحشية فضيعة على يدِ قوات معمر ألقذافي ونسي أو تناسي أعضاءه مجازر الثَّوار في كل من بنغازي ومجزرة طرابلس وغيرها من المجاز. التي وثَّقتها "منظمات حقوق الإنسان" و"المنظمات الغير حكومية" "كغرين بيس- ومنظمة العفو الدولية" وغيرها -وكان أهم قرارات الأمم المتحدة القرار رقم 2009والصادر بتاريخ 16 سبتمبر2011والذي قرر إنشاء بعثة خاصة بالأمم المتحدة في ليبيا تحت "قيادة الممثل الخاص للامين العام" لفترة أولية قدرها 3 أشهر والقرار رقم 2016والصَّادر بتاريخ 27اكتوبر2011والذي رحب فيه مجلس الأمن بالتَّطورات الايجابية في ليبيا ودعي إلى إنشاء حكومة انتقالية ممثِّلة للجميع وشاملة لكافَّة الأطياف السياسية والتشكيلات المسلحة العاملة داخل وخارج الأراضي الليبية،إضافة إلى عدَّة قرارات متعلقة بتسليح المعارضة ودعمها سياسياً ومعنوياً،وتوفير الغطاء الدولي لها وإنشاء سفارات لها في مختلف دول العالم واعتبارها الممثِّل الشرعي الوحيد للشعب الليبي وإقصاء نظام معمر ألقذافي وتهميشه تدريجياً إلى أنْ وصلنا إلى مرحلة طلب التَّدخل العسكري لحلف الناتو لحسم المعركة ميدانياً بعدما عجز الثوار عن ذلك ودخول "باب العزيزية" والسَّيطرة على مطار طرابلس وإسقاط نظام معمر ألقذافي عملياً ونهائياً،ومعروف مصيره ومقتله بطريقة بشعة ومهينة إضافةً إلى حدوث مجازر وأحداث دموية انتقامية مروِّعة قام بها الثوار ضد كل من خالفهم،أو وقف ضدَّهم أو دعم نظام معمر ألقذافي ولو بكلمة لتبدأ الفصائل المتناحرة في ليبيا "بتأسيس جمعية وطنية" انبثق عنها دستور توافقي ليبي وانتخاب برلمان ليبي، وقد قاد العملية "مصطفي عبد الجليل" "رئيس أول مجلس وطني انتقالي" في ليبيا والذي ولد غداة الثَّورة وممثلا سياسياً لها وذلك بتاريخ 27فبراير2011،وتم تعيين "عبد الرحمن الكليب" كأول "رئيس للحكومة الوطنية الانتقالية" في ليبيا واعترفت به عدة دول كفرنسا وروسيا وأمريكا وبريطانيا ومصر والاتحاد الأوروبي،لتتطور الأوضاع في ليبيا وتحدث عدة انقسامات حول عدة أمور ورفض كتائب مسلحة وخاصة الجماعة المسلحة الإسلامية بقيادة "عبد الحكيم بلحاج" قبول "نتائج المؤتمر الوطني" والانخراط في العملية السياسية وحتى الاعتراف بالجيش الوطني الليبي ورفضت حلَّ نفسها وأعلنت التَّمرد من "مدينة طبرق الليبية" وتأسيسها لحكومة موازية بدعم قطري تركي.حيث أنَّه أي برلمان الذي مقره "مدينة طبرق" جاء على ظهر ثلاث مخالفات دستورية كبرى ومهمَّة. -إذْ يرى العديد من المراقبين أنَّ اقتراح النظام الفدرالي على ليبيا كوسيلة ونظام سياسي فعَّال،ومجرب في دول كبرى علي غرار ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، في ظلِّ غياب ثقافة سياسية جامعة إضافة إلى أنَّ هناك من أعضاء برلمان طبرق الذي انتخب،وحلَّ بقرار من المحكمة العليا الدستورية "كأبو بكر بعيرة" صاحب الفكر الانفصالي،وفصل إقليم طبرق وبنغازي عن ليبيا،والذي ادعى أنَّ غياب قيادات وطنية فاعلة ومؤثِّرة تخاف على مستقبل ليبيا،ولا تنفِّذ أجندات دولية هو سبب مطالبه تلك لأنه وحسب رأيه كل القيادات الحالية جاءت من خارج ليبيا وفي ظروف سياسية معينة ووفق توازنات داخلية وإقليمية خاصة فيما يرى مراقبون أنَّ أنصار الثَّورة المضادَّة،ومن يريدون إعادة النظام القديم وعلى رأسهم الانقلابي "اللواء حفتر" الذي دعم عبد الفتاح السيسي في مصر.إضافة إلى "عبد الله الثني" رئيس وزراء ليبيا،وقاد اللواء حفتر "عملية الكرامة" ضدَّ ما سمى "بقوات فجر ليبيا" والتي تضمُّ "ثوَّار درع ليبيا الوسطي" و"غرفة ثوار ليبيا" وينحدر أغلبهم من مصراتة ، "ثوَّار غريان ،والزاوية ،وصبرا ته" تضمُّ وبتاريخ13يوليو2014 شنت قوات فجر ليبيا عملية لسيطرة على مطار طرابلس العالمي الذي استولت عليه قوات اللواء حفتر،وعدة مناطق تابعه له والتي تقوم ميليشيات الزَّنتان بإدارته منذ ذلك الوقت وتحظى قوات ثوَّار فجر ليبيا بدعم كبير في الشارع الليبي في مواجهة كتائب الصَّواعق والقعقاع ،والمدني وميليشيا حماية المطار.وغيرها من الميليشيات الإرهابية الداعمة لقوات خليفة حفتر المرتبطة بدول كمصر والسعودية وأمريكا،والتي لا تريد ديمقراطية حقيقية للشَّعب الليبي وإجهاض أي ثورة ديمقراطية حقيقية تؤدي إلي تغيير سياسي فعَّال سينتشر ليعم كافة مناطق المغرب العربي،وهذا ما لا تريده الدول ألكبرى والإقليمية المهمة في المنطقة علي غرار مصر السيسي والجزائر كما يرى البعض.إضافة إلى قوى كالسعودية وفرنسا والحلف الأطلسي ويرى "خالد المشري" "عضو المؤتمر الوطني" في طرابلس أنَّ الأزمة الأمنية في ليبيا والانفلات الأمني الكبير،وغياب رؤية موَّحدة لكيفية بناء دولة وطنية قومية تنصهر في بوتقتها جميع الفصائل المسلحة والكتل السِّياسية المهمة وانتشار الفكر العشائري والعصبية القبلية والمناطقية.أدى إلى انتشار تنظيمات متطرفة دموية كداعش والقاعدة،وتهديدها بتقسيم ليبياَ وجعلها قاعدة انطلاق إلى دول الجوار على غرار تونس والجزائر ومصر،ورغم الضَّربات التي قام بها الطيران المصري لعدَّة مناطق بعد حادثة ذبح الرَّعايا الأقباط المصريين استهدفت تنظيم داعش الماسوني في ليبيا،فإنها رغم ذلك لم تؤدي إلى نتائج ملموسة على الأرض. -أما فيما يخصُّ الحدَّ من خطر وحجم التَّنظيم ونشاطه وسيطرته على مناطق شاسعة من ليبيا وحتَّى الخبراء في الأمم المتحدة أمثال :"أدريان بليت،وآن مايرز،ودورك فنديل،وآيتن تشورين" وغيرهم ممن كتبوا عن ليبيا في أروقة الأمم المتحدة وحتَّى المبعوثين الأممين على غرار "ديال مارتن،أو السِّير ليون" قد حذروا من تحوَّل ليبيا إلى دولةٍ فاشلةٍ وتصريح أحد جنرالات الحلف الأطلسي في لقاء جمعه بالوفد الجزائري في بروكسل قبل مدَّة وجيزة أنَّ التدخل العسكري في ليبيا دون إدراك لحجم العواقب الأمنية،ودون اتخاذ إجراءات صارمة وغياب تنسيق عسكري مع دول الجوار كان خطا استراتيجياً كارثياً قام به الحلف وأنَّ المنطقة برمتها تدفع الثمن ألآن،وأنَّ الحلف الأطلسي لن يتدخل بعملية عسكرية داخل ليبيا أوفي في أيِّ بلد عربي ثانية،وأنه يفضل أن تحل الأمور سياسياً،وفي ظل ما تشهده ليبيا حالياً والصِّراع الدموي بين مختلف الفصائل الليبية من "أنصار الثورة الشبابية الليبية" أي "ثورة فبراير2011 "والقوي المعادية لها والتي تريد إعادة النّْظام البائد في ثوب جديد خدمةً لقوى وأيادي أجنبية لا تريد الخير للشَّعب والدولة الليبية وليس من مصلحتها تقدم وازدهار أو استقرار ليبيا ستأخذ منحيات خطيرة جداً في مستقبل البلد السياسي والأمني وتهدد بكارثة على كافة المستويات،إنْ لم يجلس هؤلاء وغيرهم من الدُّول الراعية والدَّاعمة لهذه القوى حول طاولة حوار وطني وإقليمي جامع لأنَّ النار ستمتدُّ لتلتهم الجميع في القريب المنظور. *كاتب جزائري

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

إعلان

البحث